الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

41

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذا جواب عن لازم اقتراحهم وكنايته عن رميهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالكذب عن اللّه فيما ادعى من إرساله وإنزال القرآن عليه كما تقدم في الجواب قبله . ولكونه جوابا مستقلا عن معنى قصدوه من كلامهم جاء الأمر به مفصولا عن الأول غير معطوف عليه تنبيها على استقلاله وأنه ليس بتكملة للجواب الأول . وفي هذا الجواب استدلال على أنه مرسل من اللّه تعالى ، وأنه لم يختلق القرآن من عنده بدليل التفّت في مطاويه أدلة ، وقد نظم فيه الدليل بانتفاء نقيض المطلوب على إثبات المطلوب ، إذ قوله : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ تقديره لو شاء اللّه أن لا أتلوه عليكم ما تلوته . فإن فعل المشيئة يكثر حذف مفعوله في جملة الشرط لدلالة الجزاء عليه ، وإنما بني الاستدلال على عدم مشيئة اللّه نفي تلاوته لأن ذلك مدّعى الكفار لزعمهم أنه ليس من عند اللّه ، فكان الاستدلال إبطالا لدعواهم ابتداء وإثباتا لدعواه مآلا . وهذا الجمع بين الأمرين من بديع الاستدلال ، أي لو شاء اللّه أن لا آتيكم بهذا القرآن لما أرسلني به ولبقيت على الحالة التي كنت عليها من أول عمري . والدليل الثاني مطوي هو مقتضى جواب ( لو ) ، فإن جواب ( لو ) يقتضي استدراكا مطردا في المعنى بأن يثبت نقيض الجواب ، فقد يستغنى عن ذكره وقد يذكر ، كقول أبي بن سلمى بن ربيعة : فلو طار ذو حافر قبلها * لطارت ولكنه لم يطر فتقديره هنا : لو شاء اللّه ما تلوته لكنني تلوته عليكم . وتلاوته هي دليل الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه عليما إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم والحكمة ، وبلاغيا إذ جاء كلاما أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم وتفاوت مراتبهم ، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقا على جميعهم ولا من شأن كلامه أن لا يستطيع مثله أحد منهم . ولذلك فرعت على الاستدلال جملة : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ تذكيرا لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية ، أي قد كنت بين ظهرانيكم مدة طويلة ، وهي أربعون سنة ، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون فيها حالة تشبه حالة العظمة ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحى اللّه إليه بالرسالة ، ولا بلاغة قول واشتهارا